ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

251

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

كرم الله وعفوه من غير التفات إلى مكره واستغنائه عن عبادتك مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من خبز أو حبة من المال ( 1 ) أو كلمة واحدة تستمعينها من الخلق بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله . ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الغرور فانظري فما أمرك بمهم لغيرك ولا تضيعي أوقاتك فالأنفاس معدودة فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك فاغتنمي الصحة قبل السقم والفراغ قبل الشغل والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم والحياة قبل الممات واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها يا نفس أنى تستعدين للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت والكسوة ( 2 ) والحطب وجميع الأسباب ولا تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد ولا حطب وغير ذلك فإنه قادر على ذلك أفتظنين يا نفس أن زمهرير جهنم أخف بردا وأقصر مدة من زمهرير الشتاء أم تظنين أن العبد ينجو منها بغير سعي هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فكذلك لا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصيل ويسر لك أسبابه كما أن كرم الله تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار وهداك إلى استخراجها من بين حديدة وحجر حتى تدفعي به برد الشتاء عن نفسك وكما أن شراء الحطب والجبة مما تستعينين به ويستغني خالقك عنه وإنما تشترينه لنفسك إذ خلقه سببا لاستراحتك فطاعتك أيضا هو مستغن عنها وإنما هي طريقك إلى نجاتك فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها والله غني عن العالمين . ويحك يا نفس انزعي عن جهلك وقيسي آخرتك بدنياك فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة وكما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا وكما بدأكم تعودون وسنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا . ويحك يا نفس ما أراك إلا ألفت الدنيا فأنست بها فعسر عليك مفارقتها وأنك

--> ( 1 ) بعض النسخ [ أو جرعة من الماء ] . ( 2 ) بعض النسخ [ والفحم والحطب ] .